أحمد بن محمد القسطلاني

56

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

تعالى في كتاب الفتن بعون الله وقوته . قال حذيفة ( قلت : يا رسول الله صفهم ) أي الدعاة ( لنا . فقال ) : عليه الصلاة والسلام ( هم من جلدتنا ) بجيم مكسورة فلام ساكنة فدال مهملة مفتوحة أي من أنفسنا وعشيرتنا من العرب أو من أهل ملتنا ( ويتكلمون بألسنتنا ) قال القابسي : أي من أهل لساننا من العرب ، وقيل : يتكلمون بما قال الله ورسوله من المواعظ والحكم وليس في قلوبهم شيء من الخير يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . قال حذيفة : ( قلت ) يا رسول الله ( فما تأمرني وإن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ) بكسر الهمزة أي أميرهم ولو جار . وفي رواية أبي الأسود عن حذيفة عند مسلم تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأُخذ مالك ( قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ) يجتمعون على طاعته ( قال ) : عليه الصلاة والسلام إن لم يكن لهم إمام يجتمعون عليه ( فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض ) بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة أي ولو كان الاعتزال بالعض ( بأصل شجرة ) فلا تعدل عنه ( حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) العض . قال التوربشتي : أي تتمسك بما تقوي به عزيمتك على اعتزالهم ولو بما لا يكاد يصح أن يكون متمسكًا . وقال الطيبي : هذا شرط تعقب به الكلام تتميمًا ومبالغة أي اعتزل الناس اعتزالاً لا غاية بعده ولو قنعت فيه بعض أصل الشجرة الفعل فإنه خير لك . وقال البيضاوي : المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان وعضّ أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقّة كقولهم : فلان يعض الحجارة من شدة الألم أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر : " عضوا عليها بالنواجذ " . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن ، ومسلم في الإمارة والجماعة ، وابن ماجة في الفتن . 3607 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : " تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْرَ وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ " . وبه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ، ولأبي ذر : حدّثنا بالجمع ( محمد بن المثنى ) العنزي الزمن البصري قال : ( حدّثني ) بالإفراد ، ولأبي ذر : حدّثنا ( يحيى بن سعيد ) القطان ( عن إسماعيل ) بن أبي خالد البجلي الكوفي أنه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ( قيس ) هو ابن أبي حازم ( عن حذيفة ) بن اليمان ( رضي الله عنه ) أنه ( قال : تعلم أصحابي الخير ) نصب على المفعولية ( وتعلمت الشر ) أي خوفًا على نفسي من إدراكه . وهذا الحديث كما قاله في الفتح أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه باللفظ الأول إلا أنه قال : كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدل قوله كان الناس . 3608 - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ » . وبه قال : ( حدّثنا الحكم بن نافع ) أبو اليمان الحمصي قال : ( حدّثنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم الزهري بن شهاب أنه ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو سلمة ) بن عبد الرحمن بن عوف ( أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( لا تقوم الساعة حتى يقتتل فتيان ) بفاء مكسورة ساكنة وبعد التحتية المفتوحة ألف فنون كذا في الفرع وأصله وعلى الهامش منهما صوابه فئتان بهمزة مفتوحة بعد الفاء ففوقية فألف تثنية فئة وهي الجماعة ، والمراد كما في الفتح علي ومن معه ومعاوية ومن معه لما تحاربا بصفين ( دعواهما واحدة ) لأن كلاًّ منهما يتسمى بالإسلام أو يدعي أنه محق وقد كان علي الإمام والأفضل يومئذ بالاتفاق ، وقد بايعه أهل الحل والعقد بعد عثمان ومخالفه مخطئ معذور بالاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه بل له أجر وللمصيب أجران . 3609 - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ . وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثِينَ ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ » . وبه قال : ( حدّثني ) بالإفراد ، ولأبي ذر : حدّثنا ( عبد الله بن محمد ) المسندي قال : ( حدّثنا عبد الرزاق ) بن همام قال : ( أخبرنا معمر ) هو ابن رشاد الأزدي مولاهم ( عن همام ) هو ابن منبه ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( لا تقوم الساعة حتى يقتتل فتيان ) بفاء ففوقية ساكنة فتحتية وصوابه كما مرّ فئتان بهمزة ففوقية مفتوحة ( فيكون بينهما مقتلة ) بفتح الميم مصدر ميمي ( عظيمة ) أي قتل عظيم . وعند ابن أبي خيثمة في تاريخه أنه قتل بصفين من الفئتين فئة علي وفئة معاوية نحو سبعين ألفًا ، وقيل : أكثر من